بلقلم: فوزي عمار

عندما تتحدث مع عائلة تونسية تحمل لقب “الطرابلسي” أو “الغرياني” أو “الورفلي” أو “الزليتني” أو ” الغدامسي ” ، فإنك في الحقيقة تتحدث مع ليبيين استقروا في تونس منذ قرون. وعندما تتحدث مع عائلة ليبية تحمل لقب “الجربي” أو “القابسي” أو “المهدوي” أو “التونسي”، فإنك تتحدث مع تونسيين استقروا في ليبيا. هذه الألقاب ليست مجرد تسميات، بل وثائق حية تروي قصة شعب واحد وزعته الحدود الاستعمارية الحديثة على بلدين.

فجنوب تونس ليس مجرد منطقة حدودية تونسية، بل هو امتداد جغرافي طبيعي لسهل جفارة الليبي والجبل الغربي الليبي وصحراء غدامس الليبية. والتضاريس لا تعترف بالحدود، كما أن السكان لا يعترفون بها. فالغالبية العظمى من سكان جنوب تونس هم من أصول ليبية خالصة، ولهجتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأكلهم ولبسهم أقرب إلى ليبيا منها إلى شمال تونس. وما يربطهم بشمال تونس هو تقريبًا ما يربطهم بغرب ليبيا.

والتاريخ خير شاهد على هذه الوحدة. ففي العصور القديمة، كانت منطقة طرابلس الروماني تضم أجزاء واسعة مما يعرف اليوم بجنوب تونس. وفي العصر الإسلامي، امتدت الدولة الحفصية التي كان مقرها تونس لتشمل أراضيها حتى مدينة سرت الليبية. وجاءت الدولة العثمانية في عهد درغوث باشا عام 1558 لتحكم من طرابلس حتى جربة التونسية. الحدود التي تفصلنا اليوم كانت مجرد خطوط على ورق رسمها المستعمر الفرنسي في تونس والإيطالي في ليبيا. حتى الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، الذي يُعتبر مؤسس تونس الحديثة، كان من أصول ليبية، إذ إن جده الأكبر انتقل إلى تونس من ليبيا. وكذلك الزعيم علي الزليتني، حفيد الشيخ عبد السلام الأسمر اصيل مدينة زليتن بليبيا ودفينها ، أشهر صوفي في شمال إفريقيا، والذي غنت له وزيرة الثقافة التونسية سونيا مبارك قصيدة: “يا قمرة الليل أضوي عليا من نور جدي خير البرية”، وهي من أشهر قصائد الشيخ عبد السلام الأسمر “بابا سلومة” كما يُطلق عليه في تونس. وهذه الحقيقة ليست مدعاة فخر فقط، بل هي دليل آخر على أن الدماء مختلطة منذ قرون.

حتى في تفاصيل حياتنا اليومية، نجد بصمة ليبية لا تُمحى. فالشاي الذي نشربه يوميًا في تونس دخل إلى بلاد المغرب عبر ليبيا، عن طريق القوافل التجارية القادمة من المشرق. وليس غريبًا أن يُطلق على كأس الشاي الصغير في تونس اسم “الكأس الطرابلسي” نسبة إلى طرابلس الغرب، ولا يزال هذا الاسم مستخدمًا إلى اليوم في تونس. بالإضافة إلى “حومة الطرابلسية” ففي كل مدينة تونسية يوجد حي يحمل هذا الاسم، وهم السكان الذين هاجروا من ليبيا إلى تونس أثناء الاحتلال الإيطالي لليبيا وقبله. إنه دليل مادي حي على أن التأثير الليبي في الثقافة التونسية أعمق من أن تنكره الحدود أو السياسة.

ولا يقف الأمر عند الشاي والطعام فقط، بل يمتد إلى الفن والغناء الذي يعد مرآة صادقة للروح المشتركة. فالفن الليبي المعروف بـ”الفزاني” – نسبة إلى إقليم فزان جنوب ليبيا – قد انتشر في تونس بشكل واسع، وانقسم إلى نوعين: فزاني طرابلس وفزاني تونسي، لكنهما يشتركان في الإيقاع نفسه والجذور ذاتها. وحتى الملابس، وخاصة الأمازيغية منها، هي نفسها في الجانبين، وكذلك العادات والتقاليد والأكلات، وعلى رأسها الكسكسي الذي يمثل الهوية الغذائية المشتركة. كما ان الأمثال الشعبية تكاد تكون واحدة في البلدين .

وعلى ذكر الفن، فقد اشتهر الفنان الليبي محمد حسن في تونس قبل أن يشتهر في ليبيا بأغنيته الخالدة “يسلم عليك العقل”، بينما انطلقت شهرة الفنانة التونسية ذكرى محمد في ليبيا قبل تونس من خلال أغاني النجع. هذه الظاهرة الفنية ليست صدفة، بل تؤكد أن الجمهور واحد والذوق الفني واحد، وأن النجاح في أحد البلدين يعني النجاح تلقائيًا في الآخر.

بل إن الخلاف الفني نفسه يصبح دليلاً على الوحدة، فما زال الجدل قائمًا حتى اليوم حول أغنية “بخنوق بنت المحاميد عيشة”، وهي ليبية يدعى البعض انها تونسية ولأن البخنوق نفسه هو زي ليبي الأصل . وهذا أكبر دليل على التداخل. فقبيلة المحاميد التي ورد ذكرها في الأغنية، هي قبيلة عربية عريقة الأصل، موجودة في ليبيا. بل إن هناك أبناء قبيلة واحدة هم ( النوايل ) يحملون جوازات سفر ليبية وأخرى تونسية، ليس بسبب الزيجات المختلطة الحديثة، بل لأن جذورهم تمتد في كلا جانبي الحدود منذ قرون وبعد تدخل فرنسا الاستعماري في رسم الحدود . أغنية واحدة تنازع عليها بلدان، وقبيلة واحدة تعيش في وطنين، فهل هناك دليل أوضح على أننا شعب واحد؟

والعجيب أن هذا التشابه لا يقتصر على العرق فقط، بل هو منظومة متكاملة من التداخل الجغرافي والسياسي والديموغرافي والقبلي والديني، فالجميع يجتمع على الدين نفسه والمذهب المالكي نفسه.

كما لا ننسى الجهاد المشترك ففي معركة أم صويغ التي اسست ملحمة الجهاد المشترك بين مجاهدي تونس وليبيا.
وهي من أهم الملاحم البطولية التي خاضها المجاهدون التونسيين بالتنسيق مع المجاهدين الليبيين تحت قيادة المجاهد خليفه بن عسكر النالوتي من ليبيا ضد القوات الفرنسية الغازية في بلدة تطاوين التونسية وقد جرت أحداثها في الثاني من أكتوبر عام 1915م وقد شارك قيها المجاهدين الليبيين بقوة كبيرة قوامها 2000 مجاهد لمؤازرة مجاهدي تونس في تلك المعركة المشتركة .

الخلاصة: ما يجمع تونس وليبيا أكبر بكثير مما يفرقهما. جنوب تونس هو امتداد عضوي لليبيا، وغرب ليبيا هو امتداد طبيعي لتونس. الحدود التي نراها اليوم على الخرائط هي مجرد خطوط استعمارية رُسمت في القرن العشرين، أما على الأرض فالقصة مختلفة تمامًا. إننا لسنا جارين فقط، بل نحن شعب واحد في بلدين، يجمعنا التاريخ والجغرافيا والدم واللغة والدين والعادات والفن والطعام، وحتى الخلاف على أغنية أو قبيلة، ويفرقنا فقط خطوط رسمها مستعمر رحل وبقيت أوهامه.

وحين نفهم هذه الحقيقة بعمق، سنفهم لماذا التحديات التي تواجه ليبيا هي نفسها التي تواجه تونس، ولماذا أمن غرب ليبيا هو أمن لجنوب تونس، ولماذا مستقبل البلدين مرتبط ارتباطًا عضويًا لا يمكن فصله. فإما أن نعترف بأننا شعب واحد، وإما أن نظل أسرى حدود لا معنى لها في قلوبنا قبل أن تكون على أرضنا